- ميادين إنفاق العفو وفوائده -
إن من ينفقون العفو يتنافسون فيما بينهم لسد حاجات المجتمع، ويترتب على ذلك أن المجتمع يجد دائمًا مِن أفراده مَن يقوم بسد حاجاته؛ فإذا وُجِد جائع تسابق الناس لإطعامه، وإذا وُجد عارٍ تسابق أصحاب العفو لكسوته، وإذا وُجد مريض تسابق أصحاب العفو لعلاجه، بل إذا وُجِدت الحاجة إلى مشروع زراعي أو صناعي أو خدمي تسابق أصحاب العفو إلى إنشائه. وهكذا يصبح العفو مصدرًا لتمويل التنمية؛ بحيث إنه كلما احتاج المجتمع إنفاقًا على ما يُسْهِم في تحقيق هذه التنمية، وُجِد من أصحاب العفو من يقوم به، متخليًا عن ملكيته أو محتفظًا بها، تبعًا لطبيعة الإنفاق الذي يُوجَّه إليه العفو.
وحتى يصبح كلُّ فرد في المجتمع إيجابيًّا وعضوًا نافعًا، فقد مُنِح فرصته ليكون متصدقًا في حدود ما يمتلك من موارد أو قدرات؛ فقد تكون الصدقة في شكل إماطة الأذى عن الطريق، وهي أيضًا تتضمن أبعادًا اقتصادية خطيرة تتعلق بالمساهمة في علاج التلوث البيئي الذي أصبح يمثل ظاهرة عالمية خطيرة. وقد تكون الصدقة في شكل كلمة طيبة أو تبسم في وجه الآخرين، وهذا أيضًا ثبت أثره النفسي الإيجابي حيث يساعد على التخلص من أية مشاعر سلبية لدى الفرد من إحباط أو اكتئاب أو غيرهما، فيساعده ذلك بدوره على الانتعاش والعطاء الإنتاجي البنَّاء في دائرة نشاطه. وهناك أيضًا مساعدة الشخص على ركوب راحلته أو مركبته، أو مساعدته في حمل متاعه؛ حيث يمكن أن يمثل عاملاً من عوامل رفع أداء الإنتاج والنشاط الاقتصادي، من جهة أنَّ تلك المساعدات وأشباهها تخفض من الوقت المستغرق والطاقة المبذولة في أداء الفرد، وبالتالي يمكن أن تتيح للشخص العامل دورات استثمارية أكثر عددًا وكفاءةً عما إذا كان سيقوم بكل أعماله وحده بدون مساعدة الآخرين؛ لأنه في الحالة الأخيرة سيستخدم أعضاءه وحده، بينما في الحالة الأولى سيكون هناك أعداد أكثر من ذات الأعضاء البشرية التي تقوم بالعمل الإنتاجي.
ويكون إنفاق العفو عملاً اقتصاديًّا يعود على صاحبه بعائد مادي ومعنوي، كما يعود على المجتمع بسدِّ حاجةٍ من حاجاته؛ ذلك أنَّ الإسلام يجعل كل عمل مباح يمارَس بنيَّة صالحة عبادةً لها ثوابها في الدنيا والآخرة؛ حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «فلا يغرس المسلم غرسًا، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة يوم القيامة».رواه مسلم.
فإنتاج الطيبات في المجتمع الإسلامي، وكل طرق استخدامها بعد إنتاجها، تعود على منتجها بالثواب حتى ما يأكله منها، وليس فوق ذلك حثٌّ على بذل الجهد في ممارسة الإنتاج وتوجيه العفو من الجهد البشري إلى إثراء الحياة بكلِّ الطيبات من المنتجات.
وهكذا نرى أن ميادين إنفاق العفو من الجهد البشري لا تقع تحت حصر، وإنما هي كثيرة بقدر ما توجد وسائل وأساليب النفع وتحقيق تكافل المجتمع. وهذا النوع من العفو يملكه كل صاحب مقدرة عضلية، أو رُوحية، أو فكرية، والمجتمع بحاجة إلى جميع هذه الطاقات، وإلى مداومة تحريكها وصيانتها وعدم تبديدها.
-بتصرف-
المصدر : مجلة نوافذ
شاركنا بتعليقك